أفريقيا / آسيا / الأخبار / مراجعة / جاليات

الشيعة الليبرالية والشيعة الأرثوذكسية المتطرفة في العراق: رؤيتان متعارضتان للمستقبل

منذ سقوط صدام حسين عام 2003، يشهد العراق عملية إعادة هيكلة معقدة ووحشية لمشهده الديني والسياسي. بعد عقود من التهميش، أصبح الشيعة، الذين...

6 دقائق للقراءة التعليقات
الشيعة الليبرالية والشيعة الأرثوذكسية المتطرفة في العراق: رؤيتان متعارضتان للمستقبل

منذ سقوط صدام حسين عام ٢٠٠٣، يشهد العراق إعادة هيكلة قاسية ومعقدة لمشهده الديني والسياسي. بعد عقود من التهميش، وصل الشيعة، الذين يشكلون غالبية السكان، إلى السلطة وسيطروا على مفاصل الدولة. ولكن بدلاً من تحقيق الوحدة والاستقرار الموعودين، كشف هذا الصعود عن انقسام عميق داخل المذهب الشيعي نفسه. تتزايد التناقضات بين رؤيتين، ترسمان صورًا متباينة تمامًا لمستقبل البلاد. إحداهما راديكالية وأرثوذكسية، متأثرة بإيران والنموذج الثيوقراطي لولاية الفقيه، الذي يمنح القادة الدينيين الأولوية على السياسيين. والأخرى ليبرالية وإصلاحية، ورثت من تراث النجف، الذي يؤكد أولوية الدولة المدنية والقانون على العقيدة الدينية.

يتجذر التيار الأرثوذكسي المتطرف في المرجعية، وهي عقيدة تضع آيات الله العظماء في قلب الحياة الروحية، بل والسياسية أحيانًا، للمؤمنين. كان لتداعيات الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩ أثرٌ عميق على جزء من رجال الدين العراقيين، الذين اعتبروا نموذج الخميني أداةً للسلطة والتنظيم بعد عقود من التهميش. وقد مكّن نفوذ طهران، المدعوم بشبكات دينية ومالية وعسكرية، هذا الموقف المتشدد من الترسيخ في المجتمع العراقي. وبعد الغزو الأمريكي وسقوط النظام البعثي، أدى صعود الأحزاب الشيعية المقربة من إيران، إلى جانب ضعف المؤسسات واستبعاد قطاعات كبيرة من السنة، إلى خلق بيئة تجذر فيها التطرف.

أدى إنشاء ميليشيات الحشد الشعبي عام 2014، بهدف مكافحة التوسع السريع لداعش، إلى تضخيم هذه الديناميكية. وبينما كان دورها العسكري حاسمًا في إنقاذ بغداد والعديد من المناطق الشيعية، لم تقتصر هذه القوات أبدًا على غرضها الأولي. لقد حولت نفسها إلى جهات سياسية مؤثرة في المؤسسات، وقوى اقتصادية تسيطر على قطاعات كاملة من الاقتصاد الموازي، وممرات مباشرة للنفوذ الإيراني. تقدم كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر نفسها كحراس للهوية الشيعية وتدعو إلى دولة إسلامية تحل فيها الشرعية الدينية محل الآليات الديمقراطية. يوضح مقتدى الصدر، الشخصية الكاريزمية والمتناقضة، غموض هذا المعسكر. وريث سلالة دينية، وزعيم شعبوي وعسكري، يتناوب بين معارضة القوات الأمريكية، والتنافس العلني مع الفصائل الموالية لإيران، والتلاعب بقاعدته المسلحة. تستند هذه الحركة الراديكالية إلى رؤيةٍ تُلزم الدولة بالخضوع للدين، وتُنظّم المواطنة هرميًا وفقًا للانتماء الديني، ويُنظر إلى العنف كوسيلةٍ مشروعةٍ للتنظيم السياسي. وآثارها وخيمة: تفككٌ مؤسسي، وفسادٌ مُستشرٍ، ومحسوبية، وشللٌ في الإصلاحات، واعتمادٌ هيكليٌّ على إيران.

ردًا على هذا الاتجاه، يقدم التشيع الليبرالي تفسيرًا مختلفًا تمامًا لدور الدين والدولة. تكمن جذوره في التقليد الفكري للنجف، الذي شهد، منذ وقت مبكر من القرن التاسع عشر، ظهور مفكرين يسعون إلى التوفيق بين الإيمان والحداثة. قاطعت هذه الرؤية بوحشية بسبب قمع النظام البعثي، لكنها نجت في الأوساط الدينية التي دافعت عن استقلالية الفكر في مواجهة التسييس. يجسد آية الله علي السيستاني، وهو الآن الشخصية الأخلاقية العليا في النجف، هذا التيار الليبرالي. موقفه واضح: يجب على القادة الدينيين توجيه الضمائر والتمسك بالمبادئ الأخلاقية، ولكن يجب ألا يحكموا بشكل مباشر. منذ عام 19، شجع المشاركة في الانتخابات ودعم صياغة دستور ديمقراطي، مع رفضه تولي دور سياسي تنفيذي. تستند سلطته تحديدًا على رفضه دخول الساحة السياسية.

يدعو التيار الشيعي الليبرالي إلى دولة مدنية، مفتوحة لجميع مكونات المجتمع العراقي، سواء أكانت شيعية أم سنية أم كردية أم مسيحية أم يزيدية. ويرى أن الديمقراطية ليست نتاجًا أجنبيًا فرضه الغرب، بل هي أداة لضمان العدالة والتعايش والمساواة في الحقوق. يرفض هذا التيار منطق الميليشيات، ويؤمن بأن ترسيخ مؤسسات قوية وشرعية وملتزمة بالقانون وحده كفيلٌ بإخراج العراق من دوامة العنف. وقد تجلّت حيويته بوضوح خلال المظاهرات الحاشدة عامي 2019 و2020. فقد تدفق عشرات الآلاف من الشباب، أغلبهم من عائلات شيعية، إلى ساحات بغداد وجنوب البلاد للتنديد بالفساد والتدخل الإيراني والطائفية التي تُبتلي النظام. ورغم القمع الدموي الذي أودى بحياة مئات المتظاهرين، فقد مثّل هذا التيار قطيعة بين الأجيال وفتح مساحة جديدة للتعبير. كما وجد دعمًا معنويًا في تصريحات السيستاني، الذي دعا، دون تدخل مباشر في السياسة، إلى إسماع صوت الشعب وإجراء إصلاحات شاملة.

اليوم، لا تزال هذه المواجهة بين الشيعة المتطرفة والليبرالية أحد مفاتيح مصير العراق. يحتفظ المعسكر المتطرف بنفوذ كبير بفضل ميليشياته المسلحة ونفوذه المؤسسي ودعمه المستمر من طهران. أما المعسكر الليبرالي، بدعم من الشباب والمثقفين وجزء من رجال الدين في النجف، فيجسد التطلع إلى مواطنة شاملة وسيادة وطنية متحررة من السيطرة الخارجية. وهكذا، يجد العراق نفسه عالقًا في مأزق استراتيجي: إما أن يظل عالقًا في نموذج ثيوقراطي غير مستقر وطائفي وتابع، أو أن ينجح في خوض غمار الطريق الصعب نحو سيادة القانون، حيث تُعلي المواطنة من شأن الانتماءات الطائفية.

يتجاوز هذا الخيار حدود العراق بكثير. تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها من خلال دعم المعسكر المتطرف، بينما تراقب الولايات المتحدة ودول الخليج والقوى الأوروبية بقلق تطور بلد لا يزال يُمثل مفترق طرق رئيسيًا في مجال الطاقة والجيوسياسية. تركيا، المُهتمة بالقضية الكردية، تُراقب عن كثب أيضًا التوازن الهش في بغداد. بين منطق التدخل والرغبة الشعبية في استعادة السيادة، يبقى العراق ساحة صراع سياسي وأيديولوجي ستؤثر نتائجه على الشرق الأوسط بأكمله.

لذا، سيُحدد مستقبل العراق في ظل هذا الصراع الداخلي على السلطة داخل المذهب الشيعي. إذا استمر السلاح والمنطق الطائفي في فرض القانون، فسيظل البلد هشًا ومجزأً وعرضةً للتأثيرات الخارجية. أما إذا نجحت الرؤية الليبرالية في الترسيخ، مدفوعةً بشباب يرفض الوضع الراهن، فقد يصبح العراق مختبرًا لشكل جديد من المواطنة، حيث يحتفظ الدين ببعده الأخلاقي دون أن يتأثر بالسياسة، وحيث تتوقف الديمقراطية عن كونها شعارًا مستوردًا لتصبح أفقًا واقعيًا ومُطالبًا به. في هذا التوتر الدائم بين نموذجين متعارضين، يصبح وعد عراق ذي سيادة وسلام وتعددي على المحك.