
يمثل البيان الصادر عن وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة جديدة في التدهور السريع للتوازن الأمني في الشرق الأوسط. وبلهجة حازمة، أعلنت أبوظبي أنها في موقف دفاعي ضد ما وصفته بـ"العدوان الإيراني الوحشي وغير المبرر"، في إشارة إلى إطلاق أكثر من 1,400 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة استهدفت البنية التحتية والمناطق المدنية. وبعيداً عن الخطاب الدبلوماسي، يُبرز هذا البيان حجم التوتر الاستراتيجي الذي يؤثر حالياً على المنطقة، ويؤكد هشاشة النظام الأمني الذي يهتز بشدة بفعل التنافس بين القوى الإقليمية.
بحسب السلطات الإماراتية، تسببت الهجمات الإيرانية في سقوط ضحايا مدنيين واستهدفت بنية تحتية حساسة، ما يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. يحمل هذا الاتهام دلالات بالغة الأهمية، إذ ينقل النزاع ليس فقط إلى ساحة المعركة العسكرية، بل أيضًا إلى حيز الشرعية القانونية الدولية. ومن خلال الاستناد صراحةً إلى حق الدفاع عن النفس، المعترف به بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يبدو أن الإمارات العربية المتحدة تُهيئ الأرضية الدبلوماسية لأي رد محتمل، بينما تحشد المجتمع الدولي حول سردية تُصوّرها كضحية للعدوان.
لا يُعدّ هذا الموقف أمراً عابراً. فقد سعت دولة الإمارات العربية المتحدة، على مدى سنوات، إلى ترسيخ صورتها كقوة مُستقرة في المنطقة، مُركّزةً على الدبلوماسية الاقتصادية، والشراكات الاستراتيجية، وتطبيع العلاقات مع العديد من الفاعلين الإقليميين. وقد عزّز توقيع اتفاقيات إبراهيم وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع آسيا وأوروبا هذا الموقف كقوة براغماتية تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي دعماً لنموذجها التنموي. ويؤكد البيان نفسه هذه النقطة: إذ تُشدّد أبوظبي على أنها لا تسعى إلى التصعيد أو توسيع نطاق الصراع، ولكنها تحتفظ بكامل الحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وسلامة شعبها.
تنسجم هذه الرسالة المزدوجة - الحزم العسكري المقترن بضبط النفس الدبلوماسي - مع استراتيجية لطالما تبنتها دول الخليج في مواجهة الضغوط الاستراتيجية الإيرانية. فعلى مدى أكثر من عقد، طورت الجمهورية الإسلامية شبكة نفوذ إقليمية قائمة على القدرات الباليستية، وحرب الطائرات المسيرة، وحلفائها من الجهات الفاعلة غير الحكومية، تمتد من العراق إلى لبنان ومن سوريا إلى اليمن. ويتيح هذا الهيكل للقوة غير المتكافئة لطهران ممارسة ضغط مستمر على خصومها مع تجنب المواجهة المباشرة مع القوى العالمية الكبرى إلى حد كبير.
في هذا السياق، يثير الحديث عن إطلاق مكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة تساؤلاً هاماً: التحول التدريجي للحرب في الشرق الأوسط. فالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والهجمات الهجينة تعيد تشكيل موازين القوى العسكرية، مما يمكّن الجهات الفاعلة الإقليمية من تجاوز الدفاعات التقليدية وضرب أهداف استراتيجية من مسافة بعيدة. وقد أصبحت البنية التحتية للطاقة والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية أهدافاً مفضلة بشكل متزايد في هذه الصراعات منخفضة الحدة ولكنها مدمرة اقتصادياً.
ستُراقَب ردود فعل الإمارات العربية المتحدة عن كثب. فأي رد عسكري مباشر ضد إيران قد يُشعل دوامة تصعيد تشمل جهات إقليمية ودولية أخرى. وتُولي الولايات المتحدة، الشريك الأمني الرئيسي لدول الخليج، اهتماماً بالغاً لأي تطورات قد تُهدد الاستقرار البحري وتجارة الطاقة العالمية. أما أوروبا، فتخشى من اندلاع صراع إقليمي جديد قد يُزيد من زعزعة استقرار بيئة دولية مُنهكة أصلاً بفعل الحرب في أوكرانيا، والتوترات في البحر الأحمر، وتنامي التنافس الصيني الأمريكي.
في ظل هذا المشهد الاستراتيجي المتقلب، يصبح التواصل الدبلوماسي أداةً أساسيةً لإدارة الأزمات. ومن خلال التأكيد في آنٍ واحد على خطورة الهجوم ورفض تصعيد الموقف، يبدو أن أبوظبي تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الردع والمسؤولية الدولية. والهدف هو توجيه رسالة واضحة إلى طهران، مع طمأنة الشركاء الغربيين والأسواق العالمية بأن الإمارات لا تنوي دفع المنطقة نحو حرب مفتوحة.
ومع ذلك، فإن تزايد الحوادث العسكرية، وتصاعد حدة التنافسات الجيوسياسية، وضعف آليات الوساطة الإقليمية، كلها عوامل تزيد الوضع توتراً. ويشهد الشرق الأوسط حالياً مرحلة إعادة تشكيل استراتيجي، حيث تتغير التحالفات، وتتطور القدرات العسكرية، وتتلاشى الحدود الفاصلة بين القوى.
في هذا السياق، يبدو بيان الإمارات العربية المتحدة أقلّ كونه رسالة دبلوماسية بسيطة، وأكثر كونه مؤشراً على هشاشة متزايدة في التوازن الإقليمي. فما لم يتم احتواء التوترات الحالية سريعاً عبر الدبلوماسية الدولية، فإن خطر مواجهة أوسع بين إيران وجيرانها في الخليج قد يصبح واقعاً، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على أمن الطاقة العالمي واستقرار النظام الدولي.
