أعادت الضربات الإسرائيلية الجديدة على إيران يوم الجمعة الحرب في الشرق الأوسط إلى صدارة الأخبار العالمية، لكن بالنسبة لأوروبا، لا تقتصر القصة على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتزايد المخاوف بشأن الطاقة، ومصداقية التنسيق عبر الأطلسي، والخوف من أن تؤدي أزمة أخرى إلى إضعاف التركيز على أوكرانيا.
أجبرت الموجة الأخيرة من الضربات الإسرائيلية على إيران الحكومات الأوروبية على بذل جهود حثيثة لتحقيق التوازن. فمن جهة، تسعى هذه الحكومات إلى منع اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقًا وحماية حرية الملاحة عبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ومن جهة أخرى، تحاول الحفاظ على علاقة عمل مع واشنطن في وقت لا يزال فيه العديد من المسؤولين الأوروبيين غير متأكدين من الأهداف الدقيقة والأساس القانوني ونهاية الصراع.
ما الذي تغير يوم الجمعة؟
في وقت مبكر من صباح الجمعة، شنت إسرائيل موجة جديدة من الضربات على إيران، بينما كان مجلس الأمن الدولي يستعد لمناقشة الهجمات على البنية التحتية المدنية الإيرانية. وكان للتوقيت أهمية بالغة، إذ تزامن ذلك مع اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا، حيث كانت الحرب في إيران تُلقي بظلالها على المناقشات التي كان من المفترض أن تتناول أيضاً أوكرانيا، والوضع الاقتصادي غير المستقر، وحالة التحالف الغربي.
بالنسبة لأوروبا، لم يعد التحدي المباشر نظرياً. فالصراع يؤثر بالفعل على الأولويات الدبلوماسية، وثقة السوق، والتخطيط الأمني. ويرغب المسؤولون الأوروبيون في الحصول على توضيح من الولايات المتحدة بشأن الخطوات اللاحقة، لكنهم في الوقت نفسه يريدون مساحة لتجنب الانجرار إلى حرب لم يختاروها.
موقف أوروبا: قلقة، مشاركة، ولكن حذرة
كان الاتحاد الأوروبي قد طرح المعضلة بلغة مباشرة غير معتادة في وقت سابق من هذا الشهر. وكما قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، "هذه ليست حرب أوروبا، لكن مصالح أوروبا معرضة للخطر بشكل مباشر".تبدو هذه الصيغة الآن أكثر ملاءمة. تتمثل أولوية أوروبا في حماية مواطنيها، ودعم خفض التصعيد، والحفاظ على طرق التجارة والطاقة مفتوحة دون أن تصبح طرفاً في حرب.
أكد الاتحاد الأوروبي أيضاً أن المخرج المستدام الوحيد يكمن في وقف إطلاق النار والعودة إلى الدبلوماسية. ولا يقتصر أهمية هذا الموقف على كونه مجرد خطاب، بل يعكس قلقاً أوروبياً أعمق من أن التصعيد العسكري دون وجود حل سياسي موثوق قد يزعزع استقرار المنطقة لسنوات، ويعرض أوروبا لتداعيات اقتصادية وخيمة.
في الوقت نفسه، تسعى بروكسل إلى مراعاة منظور حقوق الإنسان. وقد أكد وزراء الاتحاد الأوروبي دعمهم للمجتمع المدني الإيراني واستمرار التعاون مع الشركاء الإقليميين، إلى جانب فرض عقوبات إضافية في وقت سابق من هذا الشهر بسبب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في إيران.
تحوّل اجتماع مجموعة السبع في فرنسا إلى اختبار إجهاد
كان من المتوقع أن يكون اجتماع مجموعة السبع في فرنسا صعباً. وقد أصبح الآن اختباراً لمدى توافق أوروبا والولايات المتحدة في لغتهما الاستراتيجية. وذكرت رويترز أن القوى الأوروبية تعتزم الضغط على واشنطن بشأن اتهامات روسيا بمساعدة إيران في مجال الاستخبارات والطائرات المسيّرة، ما يربط الصراع في الشرق الأوسط بشكل مباشر بالحرب في أوكرانيا. وقد صرّح كالاس بوضوح أن هاتين الحربين مترابطتان.
تُعدّ هذه الصلة ذات أهمية سياسية في بروكسل وباريس وبرلين وغيرها من العواصم. فالحكومات الأوروبية لا ترغب في أن تصبح إيران ساحة منفصلة تستنزف الاهتمام والموارد من أوكرانيا. هذا القلق ليس مجرد فكرة نظرية، فإذا استفادت موسكو من انشغال الغرب، فقد تواجه أوروبا تداخلاً استراتيجياً أطول وأكثر خطورة بين أزماتها الشرقية والجنوبية.
ازدادت حدة التوتر في الأجواء جراء الانتقادات الأمريكية الأخيرة لحلفاء الناتو. وهذا يضع الدبلوماسيين الأوروبيين في موقف حرج، إذ يسعون للحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه يؤكدون أن إدارة التحالف لا يمكن أن تُستبدل بالمفاجآت أو الضغوط أو الإهانات العلنية.
هرمز والنفط والقلق الأوروبي الجديد
إذا كانت ساحة المعركة في الشرق الأوسط، فإن أحد أخطر المخاطر المباشرة هو الخطر الاقتصادي. فمضيق هرمز لا يزال محورياً لتدفقات الطاقة العالمية، ومجرد احتمال حدوث اضطراب طويل الأمد فيه كافٍ لزعزعة استقرار الحكومات والأسواق. وقد تواصلت فرنسا بالفعل مع عشرات الدول بشأن مهمة مستقبلية محتملة للمساعدة في إعادة فتح المضيق بمجرد انحسار الأعمال العدائية، واصفةً المبادرة بأنها دفاعية بحتة.
هذا التخطيط يُظهر بوضوح ما يحدث. تستعد أوروبا لاحتمالية أنه حتى لو هدأت الحرب عسكرياً، فقد لا تعود حركة الشحن التجاري إلى طبيعتها بسرعة. وهذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد. فارتفاع تكاليف الطاقة سيأتي في وقت لا تزال فيه العديد من الأسر والقطاعات الصناعية تتكيف مع سنوات من التضخم والصدمات الأمنية وضغوط سلاسل التوريد.
أشارت تقارير حديثة إلى أن أوروبا قد تُجبر على اتخاذ خيارات صعبة بين الطموح المناخي وأمن الطاقة إذا استمر هذا الاضطراب. وسيكون ذلك ذا حساسية سياسية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث تتعرض الحكومات بالفعل لضغوط للتوفيق بين أهداف خفض الانبعاثات الكربونية والقدرة على تحمل التكاليف والتنافسية الصناعية.
يتشكل نقاش أمني أوسع نطاقاً
يتغير السياق الأوسع أيضاً. فقد أعلن حلف الناتو هذا الأسبوع أن الحلفاء الأوروبيين وكندا زادوا إنفاقهم الدفاعي بنسبة 20% في عام 2025 مقارنةً بعام 2024، وأن جميع الحلفاء قد حققوا أو تجاوزوا المعيار المعتمد منذ فترة طويلة والبالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعزز هذه الأرقام موقف أوروبا بأنها تتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، حتى مع ازدياد توتر العلاقات عبر الأطلسي.
لكن زيادة الإنفاق لا تحل المشكلة السياسية تلقائيًا. لا تزال أوروبا بحاجة إلى التماسك: بشأن إيران، وروسيا، والأمن البحري، وكيفية تجنب الانقسام بين جبهات القتال. لهذا السبب، فإن قصة يوم الجمعة تتجاوز مجرد جولة أخرى من الضربات. إنها تتعلق بقدرة أوروبا على القيام بدور القوة الاستراتيجية في أزمة تشكلها جهات أخرى.
ما يأتي بعد ذلك
في الأيام المقبلة، ستكون الأسئلة المحورية هي ما إذا كان بإمكان الدبلوماسية استعادة أي موطئ قدم، وما إذا كان من الممكن حماية الملاحة عبر مضيق هرمز دون تصعيد عسكري أوسع، وما إذا كان بإمكان أوروبا إبقاء أوكرانيا على رأس جدول أعمالها الأمني مع إدارة التداعيات الناجمة عن إيران.
وقد تم توضيح تلك المعضلة بالفعل في تحليل سابق لصحيفة "يوروبيان تايمز" للخيارات الاستراتيجية التي تواجه أوروبالقد جعل تصعيد يوم الجمعة تلك الخيارات أكثر حدة. لم يعد الافتراض القديم بأن أوروبا تستطيع التعامل مع الشرق الأوسط كأزمة بعيدة قابلاً للتطبيق. قد لا تكون الحرب حرب أوروبا، لكن عواقبها باتت كذلك بالفعل.
