مراجعة

المغرب 2026: عودة الهندسة السياسية؟

5 دقائق للقراءة التعليقات
المغرب 2026: عودة الهندسة السياسية؟


مع اقتراب المغرب من انتخاباته التشريعية في سبتمبر 2026، قد يوحي تحليل سطحي بمرحلة سياسية تقليدية، تتشكل بفعل سجل حكومي مثير للجدل، ومعارضة متشرذمة، وناخبين محبطين. إلا أن تحليلاً معمقاً يكشف عن ديناميكية أعمق: نظام سياسي يواجه اختلالاً متزايداً بين الأداء الاستراتيجي للدولة وهشاشة قاعدتها الشعبية، ويبدو الآن أنه لا يسعى إلى تمزق، بل إلى تصحيح مُحكم.

في هذا السياق، عاد اسم فؤاد علي الحمّا إلى الظهور في الأوساط السياسية والدبلوماسية. ولا ينبغي تفسير ذلك على أنه عودة فاعل سياسي تقليدي يسعى إلى السلطة، بل على أنه احتمال لعودة الحاجة النظامية: إعادة تفعيل شكل من أشكال الهندسة السياسية القادرة على تنظيم الانتقال دون زعزعة استقرار البنية المؤسسية. في تاريخ المغرب الحديث، لم تكن هذه الهندسة السياسية شذوذًا، بل آلية تنظيمية، تُفعّل عندما تصبح التوازنات السياسية هشة للغاية بحيث لا يمكن تركها للمنافسة الانتخابية وحدها. إن عدم الاستقرار اليوم ليس مؤسسيًا، بل هو اجتماعي في جوهره.

على الصعيد الخارجي، يواصل المغرب تحقيق إنجازات استراتيجية هامة. فقد حوّل ترسيخ موقفه التدريجي بشأن الصحراء الغربية، بقيادة الملك محمد السادس، نزاعاً طويل الأمد إلى أداة دبلوماسية فعّالة. ويشير افتتاح القنصليات في الأقاليم الجنوبية، وتطور المواقف الدولية، وتزايد دمج خطة الحكم الذاتي في المناقشات الاستراتيجية، إلى تحوّل إيجابي لصالح المغرب. وفي الوقت نفسه، أعادت المملكة تعريف علاقتها مع أفريقيا بشكل جذري، متجاوزةً الدبلوماسية الرمزية نحو تكامل اقتصادي منظم.

تعمل البنوك المغربية اليوم في العديد من الاقتصادات الأفريقية، وحققت الشركات الوطنية مكانة مرموقة في قطاعي الاتصالات والبنية التحتية، وتساهم مشاريع لوجستية ضخمة في إعادة تشكيل حركة التجارة الإقليمية. ويجسد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي هذا الطموح، إذ يهدف إلى جعل المغرب مركزًا استراتيجيًا يربط غرب أفريقيا بأوروبا والأمريكتين. وتتعزز هذه الرؤية بالاستثمارات في الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، مما يُمكّن البلاد من مواكبة التحولات العالمية في مجال الطاقة. وعلى الرغم من الصدمات الاقتصادية المتتالية، فقد حافظت البلاد إلى حد كبير على توازناتها الاقتصادية الكلية، مما عزز مكانة المغرب كشريك مستقر وموثوق به في نظر المؤسسات الدولية.

مع ذلك، يُنتج هذا النجاح الاستراتيجي أثراً متناقضاً: فهو يُعمّق الشعور بتزايد الفجوة بين الطموح الوطني والواقع المعيش. فعلى أرض الواقع، تُشير المؤشرات الاجتماعية إلى صورة أكثر تعقيداً وحسماً سياسياً. لا تزال البطالة مرتفعة، إذ تُحوم حول 13%، لكن هذا الرقم يُخفي فجوةً أعمق بين الأجيال، حيث يُعاني أكثر من ثلث الشباب من البطالة. يُؤجّج هذا الواقع الإحباط الهيكلي، لا سيما بين الشباب المتعلمين الذين يُدركون تماماً الفرص العالمية المتاحة، ومع ذلك لا يزالون مُستبعدين من الوصول إليها.

في الوقت نفسه، أصبحت القدرة الشرائية مصدراً رئيسياً للتوتر. فقد فرض التضخم في السنوات الأخيرة، ولا سيما في قطاعات الغذاء والطاقة والإسكان، ضغوطاً كبيرة على الأسر. ويسود شعور بالتراجع في أوساط الطبقات المتوسطة الحضرية والأحياء العمالية على حد سواء، حيث تتجمد الدخول بينما تستمر النفقات الأساسية في الارتفاع. ويعزز هذا الضغط الاقتصادي اليومي الشعور بعدم المساواة، خاصةً وأن المشاريع الوطنية الضخمة، مهما بلغت طموحاتها، تبدو منفصلة عن الاهتمامات الاجتماعية المباشرة.

تُبرز التوترات السكنية هذه الفجوة بشكلٍ أكبر. ففي العديد من المدن، تُعتبر عمليات الهدم وإعادة الهيكلة الحضرية، التي غالبًا ما تُبررها سياسات التنمية، مفاجئة وغير مُدارة بشكلٍ كافٍ. وقد ساهمت الأسر المُهجّرة، والنزاعات حول التعويضات، ومحدودية الحوار في بعض الحالات، في خلق مناخٍ من انعدام الثقة. أما في المناطق الريفية، فقد أدت سنوات الجفاف المتكررة إلى إضعاف الاقتصادات المحلية، وتسريع الهجرة نحو المدن، وتعميق التفاوتات المكانية، مما عرّض المجتمعات لتحولاتٍ سريعة دون آليات دعمٍ كافية.

أدى تراكم هذه الضغوط إلى تآكل تدريجي وعميق للثقة. ولا يُترجم هذا التآكل بالضرورة إلى معارضة سياسية منظمة، بل يتجلى بدلاً من ذلك في العزوف عن المشاركة، وتزايد البعد عن المؤسسات، وميل متزايد نحو الامتناع عن التصويت. وفي هذا السياق، يجد التجمع الوطني للمستقلين، بقيادة عزيز أخنوش، نفسه تحت ضغط كبير. فبعد أن وصل إلى السلطة بوعود بإصلاحات سريعة وملموسة، بات يُنظر إلى الحزب الآن من قِبل شريحة من الشعب على أنه منفصل عن الواقع اليومي.

لا يعود هذا بالضرورة إلى عجز عن الحكم، بل إلى صعوبة ترجمة السياسات إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية. في ظل هذا الوضع، يصبح التصويت الاحتجاجي سيناريو محتملاً. مع ذلك، في المغرب، لا يُفضي هذا التصويت تلقائيًا إلى انتقال تقليدي للسلطة، بل غالبًا ما يُؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار السياسية، ما يسمح للنظام باستيعاب السخط دون إحداث تغيير جذري. وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب أهمية الدور المحتمل لفؤاد علي الحما.

يمكن تفسير عودته المحتملة إلى الساحة السياسية كاستجابة لضرورة إعادة التوازن النظامي. فبفضل فهمه العميق للديناميكيات المؤسسية، وشبكاته الواسعة، وقدرته على الاستشراف الاستراتيجي، يُمثل قوة استقرار محتملة. وفي سياق لا يبدو فيه أي حزب قادراً على تشكيل أغلبية قوية وذات مصداقية، قد يُسهم هذا النفوذ في منع التشرذم المفرط وتيسير انتقال سياسي متماسك.

ومع ذلك، ينطوي هذا المنظور على توتر كامن. فبينما قد يحافظ على الاستقرار ويضمن الاستمرارية، فإنه يُخاطر أيضًا بأن يُنظر إليه على أنه يُقيّد الديناميكيات الديمقراطية. في مجتمع يزداد وعيًا وتطلعًا، لم تعد الشرعية تُبنى على الاستقرار وحده، بل على الشفافية والمشاركة أيضًا. في نهاية المطاف، تتجاوز التحديات الراهنة التي تواجه المغرب المجال السياسي، فهي ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية وجغرافية، تتطلب استجابات ملموسة وواضحة وقابلة للقياس. قد تُسهم الهندسة السياسية في تنظيم عملية الانتقال، لكنها لا تستطيع وحدها بناء ثقة الجمهور. يكمن التحدي الحقيقي لعام 2026 في قدرة النظام على إعادة ربط السياسة العامة بالواقع الاجتماعي، وضمان ترجمة الإنجازات الاستراتيجية للمغرب إلى تحسينات ملموسة لشعبه.

إسحاق حموش صحفي وكاتب بلجيكي مغربي متخصص في الحوكمة والتحولات المجتمعية والديناميات السياسية المعاصرة.