الأخبار

يشتد الصراع على ميزانية الاتحاد الأوروبي

أعلنت قبرص عن أولى الأرقام في الوقت الذي يحذر فيه البرلمان من خفض طموحات أوروبا طويلة الأجل. وقد تحولت ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة من تصميم سياسي عام إلى تصميم مؤسسي صارم...

5 دقائق للقراءة التعليقات
يشتد الصراع على ميزانية الاتحاد الأوروبي

قبرص تقدم أولى الأرقام في الوقت الذي يحذر فيه البرلمان من تقليص طموحات أوروبا طويلة الأجل.

انتقلت ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة من التصميم السياسي الواسع إلى المفاوضات المؤسسية الصعبة، بعد أن اقترحت رئاسة قبرص خفضًا بنسبة 2٪ لخطة المفوضية للفترة 2028-2034 ورفض مفاوضو الميزانية في البرلمان هذا التوجه باعتباره ضيقًا للغاية بالنسبة للضغوط الحالية التي تواجهها أوروبا.

يقدم الاقتراح، الذي تم تعميمه في 11 يونيو والمقرر مناقشته من قبل الوزراء في 16 يونيو، أول أرقام تفاوضية ملموسة لحكومات الاتحاد الأوروبي بشأن الإطار المالي متعدد السنوات المقبل، وهو خطة الإنفاق طويلة الأجل التي ستشكل السياسة الأوروبية من الزراعة والتنمية الإقليمية إلى البحث وإدارة الحدود والعمل الخارجي ودعم أوكرانيا.

تقدم قبرص، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، مشروع القانون باعتباره حلاً وسطاً بين الدول الأعضاء التي تطالب بضبط الإنفاق الحكومي وتلك التي تسعى إلى تعزيز الاستثمار المشترك. صندوق التفاوض المعدل سيؤدي ذلك إلى خفض اقتراح المفوضية بمقدار 32.8 مليار يورو، مما يقلل قيمة الحزمة من 1.76 تريليون يورو إلى 1.73 تريليون يورو بأسعار عام 2025.

سيؤدي ذلك إلى رفع الميزانية إلى 1.23% من إجمالي الدخل القومي للاتحاد الأوروبي، أو 1.13% عند استبعاد سداد ديون برنامج التعافي "الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي". وتؤكد الرئاسة أن هذا التعديل يحافظ على الهيكلية الجديدة التي اقترحتها المفوضية، مع الاستجابة في الوقت نفسه لمطالب العواصم بالحد من الحجم الإجمالي.

حل وسط لا يرضي أحداً بشكل كامل

لا يقتصر الصدام المؤسسي على الحسابات فحسب، بل يتعلق أيضاً بما إذا كان بإمكان الاتحاد الأوروبي تمويل الالتزامات القديمة والأولويات الجديدة من خلال نفس الميزانية دون إضعاف أي منهما.

سعت قبرص لحماية البند الأول من الميزانية، الذي يضم سياسات التماسك والزراعة ومصايد الأسماك إلى جانب خطط الشراكة الوطنية والإقليمية. ويعكس ذلك ضغوطاً من دول ومناطق تخشى أن يؤدي الهيكل الأصلي للمفوضية إلى دمج أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة في برامج وطنية أوسع، مما يُضعف القدرة على التنبؤ بالنسبة للمزارعين والسلطات المحلية والبرامج الاجتماعية.

تقترح الرئاسة أيضاً دعماً استثنائياً للدول الأعضاء التي يقل دخلها القومي الإجمالي عن 90% من متوسط ​​دخل الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى الدول التي لا تزال بحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز التكامل الاقتصادي. وتقترح رفع مخصصات قطاع مصايد الأسماك إلى ملياري يورو بالأسعار الحالية، مع الإقرار بأن هذا المبلغ سيظل أقل بكثير من مستوى التمويل الحالي.

لكن مجالات أخرى ستواجه قيودًا أشد. تقترح قبرص خفضًا بنسبة 3.9% في بنود تشمل التنافسية والبحث والابتكار والتعليم والأمن والدفاع والعمل الخارجي مقارنةً بخطة المفوضية. وتصف الرئاسة هذا الخفض بأنه تقييد للزيادات المخطط لها وليس تراجعًا فعليًا، لأن هذه المجالات كانت قد وُسِّعت بالفعل في مقترح المفوضية.

البرلمان يرسم خطاً أحمر مبكراً

وقد أبدى مفاوضو البرلمان الأوروبي رد فعل حاد. بيان بشأن مقترح قبرصوحذر كل من سيغفريد موريسان وكارلا تافاريس، وهما المقرران الرئيسيان في البرلمان، من أن المزيد من تقليص خطة المفوضية سيجعل الاتحاد أقل قدرة على الوفاء بالتزاماته.

إن قلق البرلمان لا يقتصر على الجوانب المؤسسية فحسب، بل يشمل الجوانب المالية أيضاً. ويؤكد أعضاء البرلمان الأوروبي على ضرورة أن تظل ميزانية الاتحاد الأوروبي أداة استثمارية تخضع لإشراف برلماني واضح، لا أداة استجابة للأزمات أقل صرامة تتشكل أساساً من خلال المفاوضات الوطنية. كما أصروا على ضرورة أن تظل سياسة التماسك والسياسة الزراعية المشتركة والصندوق الاجتماعي الأوروبي متميزة وواضحة وخاضعة للمساءلة.

في أبريل/نيسان، تبنى البرلمان موقفاً يدعو إلى تحديد ميزانية الفترة 2028-2034 بنسبة 1.27% من إجمالي الدخل القومي للاتحاد الأوروبي، مع إبقاء خدمة ديون صندوق التعافي خارج حدود الإنفاق. ويمثل هذا الموقف حزمة أكبر من مقترح المفوضية الأوروبية وتسوية قبرص.

لذا، فإن الفجوة بين المؤسسات واسعة بالفعل. ويرغب البرلمان في موارد ذاتية حقيقية جديدة، بما في ذلك مصادر الإيرادات الرقمية أو المرتبطة بانبعاثات الكربون، لتمويل الأولويات المشتركة دون زيادة الضغط على الميزانيات الوطنية. ولا تزال عدة حكومات حذرة بشأن استحداث مصادر إيرادات جديدة للاتحاد الأوروبي، لا سيما في ظل ضيق الموارد المالية العامة والضغوط المحلية على الإنفاق.

المال كبيان للأولويات

يأتي هذا الخلاف في وقت عصيب بالنسبة للاتحاد الأوروبي. يسعى الاتحاد إلى تعزيز القدرة التنافسية، ودعم أوكرانيا، وإدارة إصلاحات الهجرة واللجوء، وحماية المجتمعات الزراعية والريفية، وتمويل التحولات المناخية والطاقة، والاستعداد لتوسع محتمل. تحظى كل أولوية من هذه الأولويات بدعم سياسي مبدئي. وتُجبر عملية إعداد الميزانية الحكومات والبرلمان على تحديد الأولويات التي ستحصل على تمويل ثابت.

لهذا السبب، تتجاوز أهمية مفاوضات الإطار المالي متعدد السنوات إجراءات بروكسل. فالاستثمار الإقليمي يؤثر على قدرة المناطق الأفقر على سدّ فجوات البنية التحتية. كما يُسهم التمويل الزراعي في استقرار الريف وأنظمة الغذاء. وتؤثر برامج البحث والتعليم والصناعة على قدرة أوروبا على المنافسة في مجالات التكنولوجيا النظيفة والبنية التحتية الرقمية والابتكار الصحي. وللتمويل الخارجي تداعيات على المساعدات الإنسانية والتوسع ودعم الديمقراطية ومصداقية الاتحاد الأوروبي عالميًا.

The European Times سبق أن نشرت تقارير عن المفوضية مقترح ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2028-2034والذي قُدِّمَ كإطار عمل أكثر مرونة واستراتيجية لكتلة تواجه ضغوطًا أمنية ومناخية وهجرة وتنافسية. ويمثل نص قبرص المرحلة التالية: تحويل تلك الرؤية الشاملة إلى أرقام يمكن لكل عاصمة قبولها ويمكن لكل مؤسسة الدفاع عنها.

في الوقت الراهن، يُعدّ اقتراح الرئاسة نقطة انطلاق، وليس تسوية نهائية. وقد حدد قادة الاتحاد الأوروبي هدف التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية عام 2026، مما يترك شهورًا من المفاوضات حول الإجماليات، والبنود، والإيرادات، والحسومات، والرقابة البرلمانية، والتوازن بين الأموال التقليدية والأولويات الاستراتيجية الأحدث.

بات السؤال المحوري واضحاً. تتفق مؤسسات أوروبا على أن الاتحاد يواجه متطلبات أكبر مما كان عليه قبل عقد من الزمن. إلا أنها لم تتفق بعد على ما إذا كان ينبغي للميزانية المقبلة أن تستجيب لهذا الواقع من خلال تعزيز القدرات المشتركة، أو تحقيق توافق وطني أكثر صرامة، أو مزيج معقد من الاثنين معاً.