يحث وزراء المالية على تقديم دعم موجه مع تزايد ضغوط التضخم والديون والاستثمار
تُحذَّر حكومات منطقة اليورو من اللجوء إلى إنفاق واسع النطاق لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة، في ظل سعي وزراء المالية لحماية الأسر والشركات الأكثر عرضة للخطر دون إضعاف المالية العامة. وتعكس هذه الرسالة، الصادرة عقب اجتماع مجموعة اليورو يوم الخميس وقبل محادثات وزراء مالية الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة في بروكسل، مفاضلة اقتصادية أصعب تواجه أوروبا: تباطؤ النمو، وتجدد التضخم، وارتفاع تكاليف الدفاع وأمن الطاقة، وانتهاء صندوق إنعاش رئيسي تابع للاتحاد الأوروبي.
قالت مجموعة اليورو إن اقتصاد منطقة اليورو لا يزال متماسكاً، لكن التوقعات تدهورت منذ أن بدأت صدمة الطاقة الأخيرة تؤثر على الأسعار وتكاليف الإنتاج وثقة الأسر. بيان بشأن الموقف المالي لمنطقة اليوروأيدت المجموعة موقفاً محايداً إلى توسعي طفيف في الميزانية لعام 2026، مع التحذير من أن موقفاً أكثر توسعاً لن يكون مناسباً.
تكتسب هذه الصياغة أهمية بالغة لأنها تحدّ من قدرة الحكومات على تكرار الدعم الطارئ الواسع النطاق الذي شهدناه خلال أزمة الطاقة في الفترة 2021-22. وأكد الوزراء أن أي إجراءات لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار يجب أن تكون مؤقتة، وموجهة للأسر الأكثر ضعفاً والشركات المتضررة، ومتوافقة مع القواعد المالية للاتحاد الأوروبي.
خط فاصل أكثر صرامة بين الدعم والانضباط
لم يعد التحدي السياسي الآن يدور حول ما إذا كان ينبغي للحكومات التدخل أم لا، بل حول من يتلقى المساعدة، ومدة استمرارها، وتكلفتها المالية. وأشارت مجموعة اليورو إلى أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تزال محدودة إجمالاً، إذ تقل عن 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الضغط السياسي قد يتزايد إذا استمرت فواتير الطاقة وأسعار المواد الغذائية وتكاليف النقل مرتفعة خلال الفترة المتبقية من العام.
المفوضية الأوروبية الربيع شنومك التوقعات الاقتصادية من المتوقع أن يبلغ النمو في منطقة اليورو 0.9% في عام 2026 و1.2% في عام 2027. ومن المتوقع أن يصل التضخم في منطقة العملة إلى 3.0% هذا العام قبل أن ينخفض إلى 2.3% العام المقبل، وهو ما يزال أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي.
كما أن المالية العامة تسير في الاتجاه الخاطئ. فقد توقعت المفوضية الأوروبية أن يصل عجز منطقة اليورو إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 و3.5% في عام 2027، مع ارتفاع الدين العام إلى أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يضع الدول الأعضاء أمام مهمة صعبة تتمثل في تمويل الاستثمار والحماية الاجتماعية وأولويات الأمن، مع إظهار قدرتها في الوقت نفسه للأسواق وشركاء الاتحاد الأوروبي على ضبط الدين.
يتمثل حل مجموعة اليورو في حماية الاستثمار بدلاً من زيادة الإنفاق اليومي. وأشار الوزراء إلى الاستثمار العام المعزز للنمو، ومرونة نظام الطاقة، وخفض الانبعاثات الكربونية، باعتبارها سبلًا للحد من تعرض أوروبا لصدمات الأسعار المستقبلية. وهذا يجعل التحول الأخضر ليس فقط جزءًا من ملف المناخ، بل أيضًا في صميم الأمن الاقتصادي.
يزيد الموعد النهائي لصندوق التعافي من الضغط.
التوقيت غير مناسب. فآلية التعافي والمرونة التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي ساهمت في دعم الاستثمار العام منذ الجائحة، تقترب من مرحلتها النهائية. ورغم أن أثرها الإنفاقي لا يزال يدعم الوضع المالي لمنطقة اليورو في عام 2026، إلا أن مجموعة اليورو تتوقع أن يكون لانتهاء عمل الصندوق أثر انكماشي في عام 2027.
وهذا يجعل المرحلة التالية من السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي أكثر حساسية من الناحية السياسية. فبدون دعم صندوق التعافي، سيتعين على الحكومات أن تقرر ما إذا كانت ستمول المزيد من الاستثمارات على المستوى الوطني، أو تعيد ترتيب أولويات الميزانيات الحالية، أو تعتمد بشكل أكبر على رأس المال الخاص. ويرتبط هذا النقاش ارتباطًا مباشرًا بجهود بروكسل الأوسع نطاقًا لتحويل مدخرات الأسر إلى استثمارات أوروبية منتجة، وهي قضية محورية بالفعل بالنسبة للاتحاد الأوروبي. اتحاد الادخار والاستثمار جدول أعمال.
قد تبدو المناقشة معقدةً بالنسبة للمواطنين، لكن عواقبها فورية. فإذا كان الدعم محدودًا للغاية، فقد تتحمل الأسر ذات الدخل المنخفض والمستأجرون والمتقاعدون والشركات الصغيرة العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار. أما إذا كان الدعم واسعًا جدًا، فقد تُضعف الحكومات قدرتها على تمويل الصحة والإسكان والتعليم والتكيف مع تغير المناخ لاحقًا. ويمثل موقف مجموعة اليورو محاولةً للحفاظ على هذا التوازن، مع العلم أن السياسات الوطنية هي التي ستحدد كيفية تطبيقه.
تصبح مرونة الطاقة سياسة مالية
أبدى الوزراء أيضاً دعمهم لمواصلة العمل مع المفوضية الأوروبية بشأن توسيع نطاق المرونة المالية لتشمل التدابير التي تعزز المرونة الهيكلية لنظام الطاقة الأوروبي وتسرّع التحول من الوقود الأحفوري. وقد يصبح هذا المقترح أحد أهم محاور النقاش، لأنه سيُعامل استقلال الطاقة كأولوية في الميزانية بدلاً من اعتباره هدفاً بيئياً منفصلاً.
يكمن الخطر في أن تصبح المرونة واسعة النطاق للغاية وتفقد مصداقيتها. أما الفرصة فتكمن في أنها تمنح الحكومات مسارًا أوضح لتمويل شبكات الكهرباء، وتخزين الطاقة، وكفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وغيرها من البنى التحتية التي من شأنها تقليل التعرض المستقبلي لتقلبات أسواق الوقود الأحفوري. وسيكون الاختبار الاجتماعي هو ما إذا كان هذا الاستثمار يُخفّض التكاليف بشكل عادل، بدلاً من تحميل الأسر الأقل دخلاً أعباء التحول.
سيُعيد وزراء منطقة اليورو مراجعة سياسات الميزانية في ديسمبر/كانون الأول، بعد أن تُقيّم المفوضية الأوروبية مسودات الميزانيات الوطنية لعام 2027. وبحلول ذلك الوقت، ستكون لدى الحكومات رؤية أوضح حول ما إذا كانت صدمة الطاقة تتلاشى أم أنها تُصبح عبئًا اقتصاديًا طويل الأمد. في الوقت الراهن، رسالة بروكسل مُتحفّظة ولكنها واضحة: بإمكان أوروبا حماية الناس من ضغوط الأسعار، لكن لا يُمكنها الخلط بين الإغاثة الطارئة والإنفاق الدائم.
